“الكورونا” بين الفوبيا والاستهتار

1 أبريل 2020 - 12:14 ص

اجتاح العالم كله وباء “الكورونا” فأصبح يعرفه الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والعربي والعجمي، والأبيض والأسود، ولا حديث إلا عنه، بما بثه من رعب، وحصده من أرواح، والناس فيه بين طرفي نقيض جافٍ مُغالٍ، ومقصر مستهتر، ووسطٍ، وهذا حال الناس مع كل قضية أو نازلة أو مذهب، أو تيار أو حزب… لا يخرجون عن هذه الثلاثية، إما الإفراط أوالتفريط أوالتوسط والاعتدال.
فهناك من أصيب بالرهاب منه أو الفوبيا، وهناك من لم يعره اهتماما ولم يلق له بالا، وحمل الأمر على محمل الهزل والسخرية، وهناك من وقف موقفا وسطا فهو لا إلى هؤلاء المفرطين، ولا إلى هؤلاء المستهترين، لا في مواقِفه ولا في سلوكاته، ولا في أقواله ولا في أفعاله، ولا في كيفية التعامل معه، عاملا بمقتضى قوله تعالى:”وكذلك جعلناكم أمة وسطا” .
وسأسعى في هذه الكلمة إلى بيان هذه الأحوال تجاه هذا الداء، وكيفية التعامل معه، والواجب عمله في ظل هذه الظروف، وسبل الوقاية والعلاج ممن وقع في أحد كفتي الإفراط أو التفريط .
فالفوبيا أو الرهاب تبتدئ بانزعاج معتدل تجاه تجربة مؤلمة ومربكة لتصل ببعض أفرادها إلى وضع حد للحياة بالانتحار، ويرجع سببه الأكبر إلى عدم تقدير الذات، وضعف الشخصية، والفهم الخاطئ للظواهر، وعيش الفراغ الروحي الإيماني، والأنانية والإفراط في حب الذات إلى درجة النرجسية، وكراهية الآخرين واعتبارهم سببا في المأساة، ورؤية العالم رؤية درامية مأساوية.
فأما الجفاة الغلاة أهل الإفراط، فقد وقعوا فيما يعرَف بالفوبيا وهي الخوف الشديد، والرهاب غير العقلانيّ من كائن، أو وضع، أوحالة أومكان، أومرض، أوموقف، أو حيوان، أو حشرة أو مستقبل، أو غير ذلك ، وقد تصل هذه الظاهرة إلى إلى أن تصير ظاهرة مجتمعية تعمّ فئاما من الناس، وأزمة كورونا خلقت في المجتمع المغربي فوبيا متعدد، فمن خائف من العدوى والمرض، ومن خائف من الجوع، ومن خائف من المستقبل، ولكل حالة من هذه الحالات مظاهر وتجليات.
فإذا نظرنا إلى الصنف الأول الذين أصابهم الرهاب في هذه الأزمة من جهة المستقبل والخوف من الجوع، فإننا شاهدناهم يسارعون في التبضع والتموين وشراء وتخزين ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه من السلع والمؤن، حتى صارت يبوتهم وكأنها مخازن للزيت والطحين والحبوب والقطاني والمعلبات ومواد النظافة والتنظيف و…، وكأن القيامة قامت، كل نفس تجادل عن نفسها، ولن يعود الناس إلى حياتهم الطبيعية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على اضطراب نفسي، وانزعاج روحي، وقلق سلوكي.
وهناك صنف أصابهم الرهاب في الاختلاط بمن معه في البيت ممن ليس مصابا، فتجد أحدهم اعتزل أبناءه وبناته وزجته وقفل عليه باب غرفته جاعلا مسافة الأمان بينه وبينهم، حتى لتجده يقوم بكل أعماله بنفسه من طبخ وكنس وغسل وغير ذلك من أعمال البيت، ولا أقول هذا الكلام متخرصا أو مدعيا وإنما هو واقع الحال، وأمثلهم طريقة من سد الأبواب على نفسه وذويه لا يخرج أصلا لا إلى بيع ولا شراء.
وصنف آخر من الرهاب يخاف صاحبه من كل ما مسته يده، فتراه يسارع إلى غسلها بالمنظفات والمعقمات، بل قد يصل الأمر بالمفرطين منهم إلى الاغتسال أكثر من مرتين في اليوم ناهيك عن غسل اليد مرات ومرات.
وصنف يخاف من المرض والعدوى، فتراه كل حين يستشير طبيبه كلما سعل أو ارتفعت درجة حرارته، أو أصابته رعشة، أو أحس بألم، متترسا بكل نوع من انواع الدواء، وكأن خزانته أصبحت صيدلية، اشترى الدواء مستعدا لنزول الداء.
ومن الطبيعي أن يقلق أي شخص على صحته، فهذا أمر حسن أن يتجه الانسان إلى الوقاية قبل العلاج، لكن عند بعض هذه الحالات يتطور هذا القلق ويتحول إلى مخاوف مرضية، ويصاب بالذعر والفزع من أنه قد يتعرض للموت، وفي هذه الحالة يصبح مصابا بـرهاب الموت، أو وسواس الموت.
وهو الصنف الرابع من أصناف الرهاب الذين عرفتهم أزمة كورونا، فقد بلغ منهم الخوف من الموت مبلغه، حتى إنك لتجده جزعا قلقا حزينا، تنتابه نوبات الفزع المتكررة، يتوهم نفسه ميتا، وأولاده مشردين، وزوجته أرملة، وقد قَلَبت عليهم الدنيا ظهر المِجَنّ، فبعد العز والجاه والسلطان، هل سيتحولون إلى فقر وذل ومهانة، فلا يفكر إلا كيف يكون أولاده من بعده، وكأنه هو الذي خلقهم وهو أرحم بهم من أرحم الراحمين.
وهكذا يمكن القول إن الفوبيا التي حصلت لهؤلاء الأصناف إنما هي ظاهرة طبيعية وحتمية ومتوقعة نتيجة عدم التوازن النفسي القائم على الإيمان والرضا بالقضاء والقدر، وهي ظاهرة خطيرة ومركبة ومتفاقمة بفعل الفهم الخاطئ والتفسير المضلل الذي يعيشه صاحب التجربة، مما يجعله يختار نظام حياة وأنشطة وسلوكات غير صالحة ومستعصية على الحل، في ظل نقص الدعم الروحي والمعنوي، وغياب وضعف استراتيجيات ومهارات التكيف من المتعرض لهذا النوع من الرهاب.
أما النوع الثاني من الناس الذين يتعاملون مع هذا الوباء باستهتار ولا مبالاة فيمكن اعتبار الدولة والحكومة والقائمين على الشأن العام في قائمة المستهترين، فحين تدمر قطاع الصحة بخوصصته وفتحه أمام الجشع الرأسمالي لأصحاب الأموال والمضاربين، فهذه قمة الاستهتار بالوباء، ليس عندما ينزل وإنما قبل نزوله، استهرت بأرواح الآلاف المؤلفة من الناس، فجعلتها عرضة للأمراض والأوبئة وسينتهي بها المطاف حتما إلى الموت الذي لن يبقي ولن يذر، وحينما لا يقبل مجلس النواب بالزيادة في الميزانية العامة للصحة بالأغلبية، ويعرضها للخطر، بل ويجعل المؤسسات الصحية مؤسسات عاجزة مفتقرة إلى الأطباء والممرضين والتجهيزات الطبية، فيجد الشعب نفسه في أرض براح يواجه المأساة ويصارع المعاناة، فهذه قمة الاستهتار وليس هناك استهتار أكبر من هذا، ولكن إذا وُسِّدَ الأمر لغير أهله فانتظر الساعة.
وحين تربي الشعب على الجهالة والتفاهة، وتحرضه ضد من يربيه ويعلمه، وتنقص من قدر المعلمين والمربين والأساتذة والخطباء والعلماء والفقهاء وتكمم أفواههم، فهذه قمة الاستهتار، لأنهم لم يعلموا أن صمام الأمان لأي أمة هم علماؤها ومربوها وفقهاؤها، فإذا غاب هؤلاء عن الساحة بالتوجيه والتربية وبث الاخلاق الفاضلة وروح المواطنة، فمن أين تأتي بمواطن صالح ينصاع للأمر، – فإذا أرهبته اليوم فلن يُرهب غدا- .
ثم يأتي الصنف الثاني من المستهترين من أشباه المثقفين الذين لا يقدرون حقيقة الأزمة، فأصبح يشكك في المقدسات والثوابت التي عرفتها المملكة المغربية منذ أزيد من اثني عشر قرنا، فاتهم الإسلام والمسلمين بالرجعية والتخلف وأن دعاءهم لربهم قصد رفع هذا البلاء لا يسمن ولا يغني من جوع، باثا سموم التشكيك في عقيدة الاسلام ودين الاسلام يصدق فيهم قوله تعالى: “زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ” .
ومنهم – أي من المثقفين- من أصبح طبيبا، وعاد حكيما، وأضحى مستشارا صحيا، كل له خلطاته ووصفاته، هذا ينادي باستعمال البصل، وآخر ينادي باستعمال القرّاص، وغيره باستعمال الزيت… وكأننا في سوق العطارين، والغريب أن الكل يقسم بنجاح تجربته، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لانتشار الأفكار المضللة التي لا تزيد الأزمة إلا استفحالا وانتشارا.
وصنف آخر من المستهترين الذي استغلوا جوع العامة الروحي ونهمهم الديني فزعم أن الوباء قد ذكر في القرآن، وأنه سيعم العالم سنة 2020، وسرد ترهات وخزعبلات سارت كالنار في الهشيم بين مجموعات التواصل الاجتماعي وتلقاها العامة وبعض الخاصة بالتسليم والقبول.
ومن الاستهتار أيضا عدم التزام العامة بالإجراءات الوقائية التي نادت بها الدولة –وهذا تحصيل حاصل- كفرض البقاء في المنازل وعدم الخروج، وتجنّب الاختلاط، واتخاذ إجراءات الوقاية والحيطة والحذر، وعدم الامتثال لقانون الطوارئ الاستثنائي.
ومن الاستهتار بهذا الوباء وسائل الإعلام الرسمية التي عوض أن يتركز دورها في التثقيف بمفهومه الشامل، وفي صياغة الرأي العام تجاه القضايا المهمة سواء الداخلية أو الخارجية، وخاصة إبان الأزمات والنكبات، نجدها لازالت في غيها وضلالها في بث التفاهة والسخف بدعوى الدور الترفيهي لتخفيف المعاناة اليومية والظروف المعيشية للمواطن، وهل الترفيه وتخفيف المعاناة لا يكون إلا بالسخافات من البرامج والسهرات التي لا تصنع إلا مواطنا ذليلا أنانيا لا ارتباط له بشيء إلا ما كان من قبيل تحقيق مصالحه وإشباع رغباته وغرائزه.
ومما يدمي القلب، نوع آخر من الاستهتار بهذا الوباء، أنك ترى أصحاب هذا الصنف جعلوه موضوعا للتهكم والسخرية والاستهزاء ظانين أنهم يرفهون عن أنفسهم في ظل هذا الظلام القاتم لهذا الوباء، لم يضع نصب عينيه أبدا أن هذا الوباء هو ابتلاء من الله يقتضي الضّراعة إليه، والتوكل عليه – مع أخذ أسباب التداوي- والالتجاء إليه، وتفويض الأمر إليه، ودعائه والبكاء بين يديه ” فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” ، لكن الغفلة تعمي الأبصار، والقسوة تُغلِّف القلب، والشيطان يزين العمل نعوذ بالله من الخذلان.
أما النوع الثالث من الناس فيتعامل مع الأزمة بحذر وعقلانية، لا يغلّب العواطف الجياشة، ولا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يستخف بالعقول ويذهب بالألباب، بل إن نظرته للأمر نظرة استشرافية، إذا نصح فهو أمين في نصحه، وإذا عذل فهو لطيف في عذله ولومه، سباق لفعل الخير، ويمثلهم في هذه الظرفية العصيبة ثلة من العقلاء الذين يضحون بأوقاتهم وأنفسهم في سبيل إخراج البلد من هذا الضيق الذي هم فيه، من الأساتذة، والأطباء، والممرضين، والفقهاء، ورجال السلطة، ويظهر دورهم في التزام كل صنف بأداء المسؤولية المنوطة به، كل من موقع مسؤوليته، فالمدرس من وراء شاشة حاسوبه، والطبيب والممرض من ساحة نزاله في مصحته ومستشفاه، ورجل السلطة باحتكاكه بعامة المواطنين في الشوارع والدروب والأزقة، وأصحاب الأموال بإنفاقهم وإحساسهم بالطبقات الهشة، والمجتمع المدني بمسيرات التحسيس والتوعية.
فتحية إكبار وإجلال لكل هؤلاء المرابطين الساعين إلى الخروج بهذا البلد إلى صمام الأمان، وتحية إكبار وإجلال لصاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي أبان عن حنكة ووعي سياسيين غابا عن ساسة العالم الشرقي والغربي اللذين يعانيان الآن من أثاره وويلاته.
ولا يفوتني قبل الختام أن أنبه إلى أن الفتن عامة، والوباء خاصة –ووباء كرونا منه- تورث القلوب خوارًا وضعفًا، ويتسرب اليأس والقنوط إلى القلوب، ويكاد كثير من الناس يشكّون في وعد الله ووعيده، فأصبح من واجب كل عاقل غيور أن يكون داعية إلى الله، يعلّق الناس بوعد الله الذي لم يتخلف، فإن الله وعد المؤمنين بالتمكين “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون . وأن يتأسوا بالني الله صلى الله عليه وسلم في زرع التفاؤل في قلوب أصحابه، وتبشيرهم في أحلك الظروف بالمبشرات، كما في غزوة الخندق، حين اجتمعت عليهم الجيوش، وبلغت قلوبهم الحناجر، وظنوا أنهم قد أحيط بهم، فرفع عليه السلام معنوياتهم وبشرهم بسقوط مملكة الروم، وانهيارمملكة الفرس، وأنها ستكون فيئا للمسلمين، ولا يأمن أحدهم أن يخرج حتى إلى الخلاء، فلنكن مبشرين لا منفرين، ميسرين لا معسرين، فالفجر سيطلع، والفرج سيأتي، والغمة ستنزاح، والأزمة ستنفرج، ” إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا” ولن يغلب عسر يسرين، والأمة الإسلامية تُجرَح ولا تُذبَح، تَمرض ولا تموت، فهي أمة مؤيَّدة منصورة شئنا أم أبينا، أمة تتعثر وتتلكأ لكنها لا تنبطح وتتذمر أبداً، وكيف يكون ذلك وقد أعطى ربنا عز وجل لنبيه محمدا صلى الله عليه وسلم العهد أن لا يهلكهم بسنة عامة، فكيف يهلكهم بطاعون عام أو وباء عام، فاللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأزح عنا هذه الغمامة، وارفع عنا هذا البلاء آمين آمين والحمد لله رب العالمين.

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .