طمأنة الناس في زمن الوباء

1 مايو 2020 - 8:43 م

إن نشر الطمأنينة و السكينة بين الناس في ساعات الخوف والقلق والاضطراب، إنما هو منهج الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين… لذا في مثل هذه الظروف العصيبة التي يعيشها العالم أجمع بسبب انتشار فيروس كورونا “كوفيد 19″. علينا جميعا من باب المسئولية، و الدين ، أن ننشر الإيجابيات ، ونبتعد عن السلبيات وكل ما فيه تهويل و إفزاع للمسلمين -خاصة – و الإنسانية جمعاء .
فهذا أبوبكر –رضي الله عنه- يوم الهجرة، و في غار حراء –مخاطبا رسول الله صلى الله عليه و سلم- قائلا : ” لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا”.
فأجابه –صلى الله عليه وسلم -: ” ما بالك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا”. وفي هذا الموقف يقول الحق سبحانه و تعالى:
” إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” .
فمن منهج الأنبياء و الرسل “عليهم الصلاة و السلام” في دعوتهم : نشرالأمن والطمأنينة في نفوس الناس. إذ القصد من بعثتهم هو الدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة التي يتحقق بهما الأمن و الطمأنينة و السكينة. فهذا إبراهيم عليه السلام، طلب من الله عز وجل أن ينعم على البلد الحرام بالأمن والطمأنينة و السكينة، و الرزق الواسع.. قال تعالى : ” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ”
و هذا شعيب نبي الله، يطمئن موسى عليه السلام، و يأمره بالإبتعاد عن الخوف والقلق، قال عز وجل في هذا الشأن: “فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” . فقد كان موسى-عليه السلام” في هذا الوقت بالذات، أحوج ما يكون إلى الأمن و الاطمئنان و السكينة، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب.
فعلى المواطنين أن يطمئنوا و يهدأوا، ويواجهوا الوضع القائم بكل لباقة و صبر وحكمة و روية. فالمساجد و المدارس ستفتح -إن شاء الله- بعد أن تعود المياه إلى مجاريها “أي: بعد أن يرفع الله هذا الوباء، و يكون الناس كلهم في صحة و عافية.”
فما على الناس الآن إلا أن يستغلوا أوقاتهم داخل بيوتهم أحسن استغلال. وذلك بالذكر و المذاكرة، و الإنفتاح على الأبناء و الأزواج، و التعليم والتعلم, والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه و تعالى برفع هذا الوباء. كما يجب على الناس الصبر واحتساب الأجر لله تعالى، بعيدا عن التضجر و التسخط، والإكتئاب المفرط بسبب الوضع السائد. علاوة على مد العون و المساعدة للفقراء و المعوزين والمشردين، وذوي الدخل المحدود الذين تركوا حرفتهم و مهنتهم بسبب هذه الجائحة. فالجمعة و الجماعات، شرعت لتأليف القلوب و التعارف بين الناس ، والتراحم فيما بينهم. فإذا صارت شبحا مخيفا، عطلت حتى يرجع الأمن الصحي لكافة المواطنين. و هذا الأخير ” أي: الأمن الصحي” تحدده السلطات الصحية المختصة في البلد.
فالعودة إلى الله و الثقة به، و تكثيف الدعاء إليه بقلوب صافية، و نفوس مطمئنة، و اتحاد الجميع في مواجهة الأزمة، سيكون سببا –إن شاء الله تعالى- في زوال هذه المحنة، و إبعاد الضرر عن الأمة. فلا مكان للحزن في قلب المومن الذي يوقن بأن هناك إلها يعبد، يثق به، ويرجع مآل الأمور إليه في كل صغيرة و كبيرة.
قال ابن القلانسي التميمي الدمشقي “ت. 55 هــ “:
يــا نفس لا تجزعي من شدة عظمت و أيقني من آلــــــه الخلق بالفرج
كم شدة عرضت ثم انجلت و مضت من بعد تأثيرها في المال و المهج
و قال الإمام الشافعي –رحمه الله “ت: 204 . ه “:
ولـرب نازلة يضيق لها الفتـــــى ذرعــا، و عند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتـــها فرجت، و كنت أظنها لا تفــرج
فعلى الإنسان أن لا يتواكل ، و لكن عليه أن يتوكل عل الله تعالى ويعتمد عليه، ويفوض أموره كلها لله تعالى بقلبه، اعتمادا على أنه الكفيل بأمور عباده في السراء والضراء. فعن عمر –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا ” .
فثقتنا بالله كبيرة، بأنه سيكشف عنا الغمة، و يبعد عنا الأسقام، و يحفظ لنا أئمتنا ومجتمعنا، و أهلنا و بلدنا، و الإنسانية جمعاء. فالمؤمن لا ييأس و لا يقنط من رحمة الله تعالى. قال عز وجل: ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ …” . كما يجب على المسلم أن لا يترك الحزن يجثم عليه، لما فيه من أضرار جمة على الانسان، مثل: الاكتئاب، و التوتر، و الإجهاد النفسي، وزيادة الضغط الدموي، والأرق، و اضطرابات في النوم، و مشاكل في الجهاز الهضمي و غير ذلك. و لذلك أوصى الله عباده المؤمنين بالإبتعاد عن الحزن. قال جلت قدرته: “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ”
فرغم أن العالم يعيش أزمة هذا المرض “أو الوباء”، الذي بث فيه الرعب، والهلع، والإحباط و اليأس، فالأجدر بالمسلم أن لا ييأس و ينهار. فإذا اضاقت عليه الأرض بما رحبت، فإن أبواب السماء مفتوحة، تنادي المؤمنين، حيث يقول لهم رب العزة والجبروت:” … فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا إ ن مع العسريسرا” .
و قال الإمام الشافعي-رحمه الله-:
يا حامل الهم إن الهـــــــم منفرج              أبشـــر بخير فـــــإن الفــــارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصـــــــاحبه               لا تيأسن فـــإن الكــــــــــــافي الله
الله يحدث بعد العسر ميســــــرة               لا تجــز عن فــــإن الصــــانع الله
فإذا بليت فثق بــالله وارض بـــه               إن الذي يكشف البلوى هــــــو الله
والله مالك غير الله من أحـــــــد             فحسبك الله في كــــلٍ لــــــــك الله
فالمطلوب منا في هذا الوقت بالذات، هو : أن نتوجه إلى الله تعالى ونتضرع إليه، بصدق و إخلاص، ليرفع عنا هذا الوباء. فالدعاء من أعلى درجات العبودية لله عز وجل، و خاصة في السجود. قال جل وعلا : ” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ …” . و يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” أقرب ما يكون العبد من ربه و هو ساجد، فأكثروا الدعاء …” .
فعلينا أن نتضامن جميعا، و أن يكون سلوكنا حضاريا، و وعينا الديني مستقيما ومعتدلا. لا تنطع فيه و لا شطط و لا غلو. فيجب على المواطن أن يلتزم و يمتثل لقواعد الصحة والسلامة و الأمن العام. وذلك بتطبيق توجيهات و تعليمات أولي الأمر في البلد، لأن ذلك يدخل في طاعة الله و رسوله. قال الحق سبحانه و تعالـــــــــــى : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ ” .
فعن أنس-رضي الله عنه قال : (اللهم إني أعوذ بك من الهم ، والحزن ، والعجز ، والكسل والجبن ، والبخل ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال ) .

و الحمد لله رب العالمين .
إعداد:
الدكتور: إبراهيم المعتصم
موظف بنظارة الأوقاف بتزنيت
ومنخرط في الإتحاد العام الوطني
لدكاترة الإدارات و المؤسسات العامة.

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .