فكرة المواطنة بين الماضي والحاضر

IMG 20210926 WA0009
26 سبتمبر 2021 - 10:03 ص

بقلم حسن سمر. باحث في الفلسفة السياسية.

 

يعد كتاب “ما المواطنة” من أهم المؤلفات المعاصرة التي ناقشت مسألة المواطن و المواطنة، وفكرة التأليف في هذا الموضوع حسب صاحبيه فرضته ظروف موضوعية تمثلت في بزوغ مفهوم المواطن من جديد في المناقشات السياسية وداخل الفكر المجتمع السياسي، وهذا المؤلف جد مهم من حيث محتواه خصوصا الطريقة التي جاءت ضمنه الأفكار المتعلقة بالمواطنة. وتأليف هذا الكتاب يعود لصاحبيه دومينيك شنابر وكرستيان باش ليه Dominique SChnaper et Christian Bachelier وموضوعه الأساس ضرورة التفكير في مفهوم المواطنة من جديد. خصوصا أن لهذا المفهوم نقاشات وتصورات متعددة و مختلفة ، فتم طرح مفهوم المواطن في علاقته بمفاهيم اخرى مجاورة له كمفهوم الحقوق والواجبات والفرد والمحيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وذلك من خلال العودة إلى البراثين الأولى لتشكل مفهوم المواطن والاختلاف الوارد بين المواطن في العصر القديم والمواطن الحديث.
تشير مقدمة الكتاب إلى أن بداية المواطن كانت مع اليونان وارتباط ظهوره بالمدينة الدولة، إلا أن المواطنة هنا بنيت على ترابية تمييزية، فليس كل سكان أثينا مواطنين فهناك المواطن الاثيني الأصل الحر الراشد يتمتع بحقوق ليست في متناول باقي طبقات المجتمع الأثيني، فالمواطنة هنا مرادفة لمفهوم الطبيعة حيث أن كل إنسان يولد بالطبيعة لكي يمارس مهام محددة والعبيد يولد بالطبع عبدا. ووفق قانون الطبيعة هناك أسياد وعبيد و حرافيين وجنود وحكماء وهذا الصنف الأخير هو الذي يستطيع حكم الدولة. وهذا التقسيم يستحيل معارضته ويشبهه أفلاطون بالنفس التي تنقسم إلى الشهوانية والغضبية والعاقلة، وهذه الأخيرة هي من يستطيع التحكم في النفس الشهوانية والغضبية، إذن المواطنة هنا محددة سلفا في أشخاص بعينهم، لكن رغم هذا ما يميز اليونان هو المواطنة مرتبطة ومتشبتة بمفهوم القانون و الإمتثال له واجب على الجميع فما يميز القانون وما يعطيه الشرعية هو اعتباره قانون كلي شامل يخضع له الجميع بدون استثناء، ويجب أن يحترم القانون ولو كانت بعض تشريعاته ظالمة في حق الشخص. وسقراط جسد شخصية المواطن المؤمن بالقانون والخاضع له حيث وقف ندا أمام المحكمة ودافع عن نفسه وحكم عليه بالإعدام وخضع للحكم رغم أنه كان بإمكانه الهرب من السجن بمساعدة أحد أصدقائه، لقد كان رفضه الهروب احتراما لسيادة القانون وإيمانا منه لأهميته، حيث هو جوهر الديمقراطية وروح المدينة.
لكن رغم هذا فإن الديمقراطية اليونانية لم تؤسس للمواطنة على أساس تشمل فيه جميع أفراد المجتمع وتميزت بطابعها التراتبي حيث تخضع للمواصفات التاريخية والاجتماعية والعرقية. فهي تفتقد كما أشار إلى ذلك الكتاب إلى عنصر الانفتاح على جميع أفراد المجتمع وعدم الأخذ بالمساواة بين الأفراد المواطنين وبقيت مرتبطة بالطبيعة وبذلك يمكننا تسميتها بالمواطنة الميتافيزيقة المجردة.
بعد اليونان ستعمل الإمبراطورية الرومانية على استلهام مفهوم القانون اليوناني، حيت سيتعزز مفهوم المواطنة أكثر بارتباطه بمفهوم القانون باعتباره المبدأ الأساس للمواطنة وينظر إلى كل ما هو قانوني فهو في صالح تثبيت المواطنة، “فإن الرومان قد عرفوا المواطن بمصطلحات قانونية، من هنا فقد كرسوا الفكرة أن المواطنة في أساسها منفتحة ذات دعوة عمومية ومن ثم لم تصبح مرتبطة بمواصفات تاريخية واجتماعية خاصة من منطلق هذا المعنى المحدد أصبح بالإمكان تبني صيغة كلود نيكوليه Claude NIcolet” نحن جميعا مواطنون رومان “. أما بخصوص المسيحية فقد كانت تعزز دور المواطن الخاضع للقانون الإلهي. حيث لا يمكن أن نتصور مواطن خارج القواعد المسيحية التي تسهر على حمايتها الكنيسة باعتبارها مؤسسة تربط بين المواطن الفرد بالإله المسيحي. المحب لعبده والخاضع لسلطته المتعالية والتي لا يمكن مقارنتها بسلطة الإنسان ، فالله المسيحي يتجسد في كل إنسان من خلال المسيح المحب للمحبة والرحمة و التسامح ، فداخل هذا الإطار لا يمكننا الحديث عن مواطن حر يفكر وفق ما يمليه عليه ضميره. والعصر الحديث أسس لقيم مخالفة للقيم القديمة فرفض السلطة الإلهية على الإنسان واعتبر أن المواطنين هم من لهم حق تدبير أمورهم الحياتية. فتأسست فلسفة سياسية حديثة اهتمت بتأسيس القانون الذي هو القاسم المشترك الذي يجب الامتثال إليه، من هنا تأسس العقد الاجتماعي الذي يهدف إلى إعادة تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل المجتمع وتنظيم العلاقات بين أفراده، وأصبح هنا مفهوم المواطن يأخذ صيغة جديدة تميزت بالطموح نحو المواطن الكوني لا يعترف بالحدود.
إنها المواطنة الفردية التي تقدس الفرد وتدافع عنه وتمجده وتنبذ ما هو اجتماعي وتاريخي انها تسعى إلى تأسيس المواطن وفق القانون والحقوق والواجبات. هكذا يطرح كل من دومينيك شنابر و كريستيان باشولييه إشكالية المواطنة في علاقاتها بالفرد والمجتمع بالمناقشة والتحليل. فكيف تطور إذن مفهوم المواطنة؟ وما مخلفات وأثر هذا التطور على الأفراد والجماعات؟ إلى أي حد يمكننا الحديث عن المواطن الكوني الذي لا يهتم بالتاريخ والمعتقدات وكل ما هو مختلف؟ وكيف يمكن للإنسان أن يعيش محافظا على إنسانيته وخصوصياته الاجتماعية والتاريخية في ظل هذا التطور الخارق لكل ماهو تقليد وخاص؟ وفي ظل هذا كذلك كيف يمكن الحفاظ على هوية الفرد الإنساني داخل هذا الكون؟.

ينص الكتاب على أن العصر الحديث بدأ مع الثورتين الإنجليزية والفرنسية في القرن الثامن عشر، وهذه البداية الثورية أسست لمفهوم المواطن الحديث ومفهوم الديمقراطية والحداثة السياسية. حيث ظهر إعلان حقوق الإنسان الذي أعطى الأولوية للشعب وجعل السلطة فيد الشعب وهذا ضرب في التصور القديم الذي كان يجسد السلطة في الملك والشعب خاضع لأهواء الملك وتصوره الخاص للحكم، والملك أو الحاكم هو خليفة الله في الأرض لا يمكن معارضته لأن ذلك فيه معارضة للحكم الإلهي. هذا كان قديما وتمت الثورة على هذا التقليد. فالملك الان ليس إلا مواطنا تم الاتفاق بينه وبين الشعب على تولي منصب حاكم البلاد وفقا لإرادة الشعب وحكمه يتجلى في ضمان الحقوق للجميع بلا تمييز وعدم التسلط والاستبداد وان حصل هذا فواجب على الشعب أن يثور عليه فالملك ليس هو الله. والنظام السياسي الجديد عمل منذ بداياته على تقليص هيمنة الملك على السلطة السياسية وتم الفصل بينه وبين هذه السلطة، فشرعية الحاكم مصدرها هو الشعب وفي أي لحظة يتبين له أن الحاكم لم يلتزم ببنود الميثاق يجب الإطاحة به لأنه لم يعد مؤهلا للشرعية التي خوله اياها الشعب، فيتم استبداله بغيره، وتطور الحديث عن السياسة من خلال العمل على ترسيخ مبدأ المساواة المدنية والقانونية والسياسية لجميع أفراد المجتمع رغم إختلاف انتماءاتهم وعقائدهم. وهذا عزز مفهوم المواطن الفرد الحامل للعقل وبه استطاع التخلص من القيود التي كانت تربطه قديما وتحد من التمتع بمواطنته وحريته، فالمواطنة هنا مبنية على العقل. وهنا تأثير ديكارت على الفكر الثوري “بإعلان هذه الشرعية الجديدة بشكل واضح وضع مبدأ تجاوز المصالح الخاصة ولم يعد المواطنون بتأسيسهم أمة التزاما من جانبها بصيغة” إعلان حقوق الإنسان والمواطن ” أفرادا ملموسين محسوسين مبتسمين بأصولهم التاريخية ومعتقداتهم وممارستهم الدينية وانتماءاتهم الإجتماعية، أصبحوا مواطنين متساوين، ورغم الأفكار المسبقة السائدة في ذلك العصر امتدت المواطنة وشملت حتى اليهود في سبتمبر /أيلول 1791 كان مبدأ الشرعية الجديدة يقر المساواة المدنية والقانونية والسياسية بين أفراد مختلفين وغير متساوين. “. لقد أصبح مبدأ المساواة إذن مطلبا يجب تحقيقه باعتباره عنصرا مهما في جميع مناحي الحياة الفردية. وواصل المؤلف شرح الأفكار السياسية المتعلقة بالمواطنة من خلال أهم مظاهر النظام الجديد إضافة إلى ما تمت الإشارة إليه. ويعد مطلب الفصل بين الكنيسة والسلطة أي بين الدين والدولة أهم مطالب الفكر الحديث وفعلا سيتم هذا الفصل وسيتم استبعاد السلطة السياسية عن السلطة الدينية، فالمواطنة هنا مبنية على العقل البشري وطموحه السيطرة على الطبيعة والتحكم فيها، فجميع البشر يمتلكون العقل الذي يمكنهم من ممارسة التفكير الحر والتحرر من القصور الفكري، فالعقل هنا مصدرا مميزا على أساسه يتم التوحيد بين جميع البشر مهما كثرت وتعددت انتماءاتهم واختلافاتهم. فالمواطن هنا هو الفرد، وتأسست هذه العلاقة الجديدة على حساب مفهوم الجماعة، وظهرت علاقة جديدة بين الطبيعي والمدني اي بين الفرد والمجتمع. يؤسس جون لوك حقوق الإنسان على مبدأ الحق الطبيعي الثابت والمقدس حسب لوك، وواجب السلطة السياسية هو حماية وضمان الحقوق الطبيعية كالحرية والملكية، وهذا يجب أن ينص عليه العقد المبرم بين الشعب والحاكم، والسلطة السياسية وجودها رهين بالاستجابة لمطالب الشعب فالعلاقة بينها وبين الأمة هي علاقة افقية أساسها التفاعل والتعاون والإنصات لكي لا تتحول إلى الاستبداد والتسلط وبذلك ضياع الحقوق. ولجون جاك روسو تصور آخر يعبر عنه بكون حقوق المواطن هي ما يؤسس لحقوق الإنسان، والطبيعة خيرة وغياب القوانين هو ما أفسدها فهي أساس الحرية المطلقة، والديمقراطية هنا تأسست على مفهوم الإرادة العامة التي بموجبها تتحول السيادة إلى الشعب، وهنا كذلك ترابط بين الحقوق والواجبات، فصحيح أن المواطن الحديث ينعم بحقوق كانت في الماضي حكرا على طبقة دون غيرها لكن استمرار استفادة الجميع من هذه الحقوق يتبعه ضرورة الالتزام بالواجبات باعتبارها تمثل احترام الفرد للآخر حريته وكرامته. وهذا ما يجعل العلاقات داخل المجتمع بين الأفراد تتسم بالاحترام ومعرفة كل لحدود حريته، وذلك وفقا للقانون الذي يتم تشريعه من طرف الشعب هدفه حماية الحقوق للجميع داخل مجتمع أساسه المساواة والتوازن بين مكوناته، ونبذ الخلافات والفروقات بينهم.
من الضروري لكي تتحول الديمقراطية من طابعها الصوري إلى كونها حقيقة معاشة من وجود مؤسسات تضمن ويمارس من خلالها المواطن حقوقه المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لأن هذه المؤسسات هي ما يعطي الطابع الفعلي للديمقراطية والمواطنة. وهكذا تم بناء الحداثة السياسية من خلال الانتقال من الديمقراطية المباشرة إلى الديمقراطية التمثيلية.
لكن هذا العنصر الجديد(التمثيل) سيولد مشكل جديد هو إشكالية المساواة بين الجنسين الرجل والمرأة وعلاقة ذلك بمسألة التمثيلية فكيف يمكن أن نعتبر المواطنة لاتخضع لمبدأ التمييز وان أساسها ديمقراطي والمرأة ليس لها موقف ومشاركة في تسير الوطن من خلال الانتخاب وهي عنصر اساس ضمن منظومة الأسرة والمجتمع والدولة؟ .
” لهذا كله لم نثبت بشكل نهائي فكرة التفوق بالمجتمع السياسي، ويشهد بذلك النقاش الحديث الدائر حول تساوي الرجال والنساء في الحياة العامة بفرنسا، يستدعي مؤيدو المساواة ضمنيا تصور الديمقراطية، يجب فيه على المؤسسات السياسية تمثل الشعب بجميع طوائفه، ويستتبع ذلك وجود أن يؤخذ في الحسبان انه هو أيضا مكون من مواطنين ومواطنات، كانت مرجعية هؤلاء المؤيدين هي فكرة التمثيل المرآة التي يستلزم الأمر طبقا لها أن تكون المؤسسات السياسية مرآة المجتمع. إما بالنسبة لمن يناهضون المشروع فإن مبدأ المواطنة نفسه ينطوي على فكرة ان المجتمع السياسي يتفوق ويعلو فوق المصالح الخاصة من كل نوع بما فيها ما يتعلق بالجنس، المسؤول السياسي لا يمثل فئة اجتماعية معينة ذات أصول تاريخية أو انتماءات اجتماعية ودينية أو فئة عمرية أو جنس بعينه وإنما يمثل الجمع المجرد للهيمنة السياسية. ”
انتقل الكتاب إلى طرح الفارق بين المواطنة الفرنسية والمواطنة الإنجليزية، فهذه الأخيرة موسومة بالتعددية الليبرالية وتركز على ان احترام حرية الناس مرتبط باحترام الحقوق والاعتراف بالتنوع الحاصل في الانتماءات والارتباطات الخاصة، والسلطة أصبحت في يد المجلس العموم، فالانجليز سعوا إلى التوازن بين سلطة البرلمان وسلطة الشعب، وعموما فإن التقليد الإنجليزي يفسح المجال للأنظمة والهيئات والطبقات الخاصة. في مقابل تمرد الفردانية في المواطنة الفرنسية الذي ركزت على التقليد الأحادي الذي تميز بالسيطرة الكاملة لمفهوم المواطنة الفردية.
فإذا كانت المواطنة الإنجليزية مبنية على أساس التوازن والاعتدال وبذلك يكون المواطن الانجليزي مواطنا ليبراليا له حريات متعددة، فإن المواطن الفرنسي هو نتيجة الاستبداد والعنف الذي مرس عليه من طرف الحكم المطلق، فهو يسعى إلى التخلص من الماضي ونسيانه بجزئياته وكلياته وايجابياته وسلبياته، وبذلك تكون المواطنة الفرنسية عبارة عن كيان شامل غير قابل للتقسيم وضمانها في سلطة دولة مركزية تعبر عن الإرادة العامة.
يشكل العقد إذن مصدرا للشرعية وخادما لحرية المواطنين، والقوانين هي من صلب المواطن والخضوع لها امتثال للإرادة العليا العامة، وهذا ما قال به روسو. وطلب جون لوك الدولة أن تحافظ على الحياد الديني لتجنب الحروب الدينية ونشر مبدأ التسامح والشرعية رغم تعدد العقائد، وهذا يضمن حسب لوك التماسك الاجتماعي والترابط بين المواطنين وهكذا يصعب خلخلة التوازنات داخل الدولة. وما زاد من تكريس لهذا الواقع الذي دعا إليه جون لوك، ما جاء به منتسكيو من خلال دعوته إلى الفصل بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية حيث لا يجب أن تتدخل الواحدة في مهام الأخرى ، وعدم الفصل بين السلط هو طريق نحو الاستبداد والطغيان الذي تأسس المجتمع السياسي الحديث على مقاومته والقطع مع تحكم وتدخل الملك في جميع هذه السلط والإنفراد بها ، فمونتسكيو يدافع عن الجمهورية النيابية القائمة على الفصل بين السلطات.
من هذه الورقة إذن يتبين لنا أن الفرد أصبح معادلة صعبة في النظام السياسي الجديد ، وأصبحت الحداثة مبنية على كل ما هو فردي متحرر. فالفرد يحضر هنا كفاعلية إبداعية تنافس الوجود الجمعي. لكن ما الضامن من عدم استفحال الصراعات من خلال ضرب في كل ما كان يشكل أساس التماسك الاجتماعي ، الذي هو المشترك بين أبناء المجتمع الواحد ، خصوصا أن التركيز على الحرية والمساواة جعل من المواطنة الحديثة سيف دو حدين ، فقد تكون هي السبيل إلى التحرر من قيود الانغلاق والتطرف. لكن الحديث عن المساواة المطلقة في كل مجال حياة الإنسان قد يكون سبب في ضياع بعض الحقوق الطبيعية والوضعية خصوصا أن الإنسان بطبعه له قدرات تتفاوت من شخص لآخر ؟.

 
مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .