فيروس كُــــورُونا..الإنســـَـانُ بَيْن البِـــدائِيَّة والحَـــدَاثَة المُـــفْرطَــــة

30 مارس 2020 - 4:42 م

اسْتأْسَد “الفيروس” وأضحى جائحة لا تبقي ولاتذر، وانطلقت صَافِرات الإِنذار شرقا وغربا مُنبِّهة ومُحَذِّرة. حتى أصبحت مشاهد الموت مضْطَرِدة في أوطان ظنت أنها تجاوزت منذ عقود طويلةٍ ثُلاثية الأوبئة والمجاعاتِ والحروب،… إن هذا وذاك السّرد التْراجيدي المُرعب قد أخذ مناحيَ عِدّة في التَّوصيف والتّحليل والتّخييل. فهي لحظة أوقفت عجلة الزمن فجأة، واستمر المكان مُتَرَنِّحا وحِيدا، إنها لَحظة أعادت كَبْح جماح الإنسانية المُفرطة في تفاؤُلِها والمُنتَشية بتفوقها. لقد تم خلط الأوراق من جديد، وأضاءت أمَاراتُ التّوقّف دون وضعها في السِّياق أو ربطها بالمَسَاق (المرجع)….في هذا الزمن التراكُمي الذي قطعت فيه البشرية أشواطا من المُرُوق الفكري والمنهجي والعملي، حتى عدت بَدَهيات الفطرية ومُسَلّمات التكوينات الأولى خارج المأْلوف. لقد قصَمت الجائحة ظَهْر العلم آناً، فأوجَعَت مَراتِع العقلانية، وأقبرت نوادِي الخُرافة، وأغلقت معابد المدَلِّسِين، وأزكَمَتْ أنُوف المُتْرفين، وعَرَّت عَوَرات الخَائِضين. إنها اللحظة التي تمت فيها العَودة إلى الإنسَان كما أجْمَلته فَلسفة القيم، وكما رَسَمَتْه طُوباوية المعرفة، وكما أَخْبرت عنه رِسالة الوحي حين أخرجت نَزَقاتِه لتَسْتَدِلّ بها مُخالَفة على المطلوب مِنه أصَالَة. لقد رأى العقل بأٌمه تَيَهَانَه وأحس الجسد بقنوطه، واشرأَبَّت النفس للخلاص كما تراءَت لكَهنة القرون الوسطى.
مرت جَوائح على البشرية بشكل فظيع وأكثر، ونشر الوحي قَصَصاً حية عنها، وتناقل المؤرخون أخبارها وعالج الفقهاء والسياسيون نوَازِلها، إلا أن لكل عصر ومَصر جوائحه، وكل تحدي تصل إليه البشرية يقابل بمثله أو أشد منه، فثقة الإنسان في تفوقه وادّعائه مُطلقية المُمكن جعلته أمام امتحان الادعاء، وتنكِّره الأَصالات جعلته قُبالة الشوق للبدايات. فهل فعلا نحَت الإنسانية نحو الاستسلام، أم أن تصحيح المسار سيقود مرحلة النكُوص هذه؟
قد لا نجزم بِمشروعية السؤال ولا بمُطلقية الجواب، إلا أن وضع الإنسان يُرى اليوم من جانبين اثنين: فهو بين خيارين قَلّما عاشهما مجتمعين، فطفرة الحداثة جعلته متفوقا في سَردياته، ضابطا إيقاع الخوف وحاسما خوارزميات العقل، ومنتشيا بوفرة المعرفة بعد كل هذا، لقد صار في عِداد المأَلَّهِين كما كتب لوك فيري في مؤَلَّفه القيِّم l’homme divinisé، وسريان التأليه لابد أن يقايض بمقابل من التحدي على الادّعاء والسَّبْغ. فهلا اُجْتِيز الاختبار بنجاح! لقد انكسرت القاعدة لحظيا فما المطلوب لحفظ ماء وجه المخلوق المدَّعي؟
إن الخَلْط الذي وقع فيه الإنسان هو أنه قاتَل في الغالب عن “حُسن نِيّة جَاهِلة” كما تراءَت سَردية سيرفانتيس في مُخلَّدته Don Quichotte. وهذا الارتباط الوَثيق بين العِلمية scientificité في الهَدف والجَهل بمحَلِّه كما يورِد الفقهاء، يُورث الشَّقاء وينكِّص المشروعية ويهدمُ أواصِرها قبلَ الاستواء…
“هل خَان الإنسان نفسَه؟”، وكان منه إلا أن اشتاق للبدائية كما يحلو لأنتربولوجيا الحداثة تسميتها، وكبرت في عينيه أسَاطيرية التّاريخ، وتناقلت سُيالاتُه حِيل جِلجَامِش ومحاولاته الفَاشلة نحو الخلود، وانساب بين جَوانِحِه “الخَوْفُ الطُّفولي” بعد أَن أقبرته نظريات التّجاوُز المُحيطة بنمَطيات الفكر الغربي بعد التأسيس للعقلنة، ولو أن كتابات التحليل النفسي “الفرويْدية على الخصوص” قد ذكّرت ببعض شظايا هذا الخوف الغَرَزِي instinct الذي اُستهزِئَ به في محَافِل العقلانية غير مَا مرة. أصبح الصّراع من أجل البقاء سمة إنسان الألفية الثالثة، وطغت قيمة الفردانية ليس اختيارا بل اضطرارا، وطَفِق الإنسان يجمع المؤُونة في “كَهْفه” خوفا من “وحش ضَار” قد يفترسه كما كان يحسُّ ويفعل إنسان البدائِية تماما (ليس إنسانَ البدايَة)، لقد تُلُمِّسَتْ نبوءات دَاروين واستقرت تَكْسيرات نيتشه، فقط وفقط أن البدائي انسجم مع الحَالِ، وها نحنُ أجبرنا المآل؛ مُكْرها أخاك لا بَطل، كما تفوه بها عمرو بن العاص أمام أبي الحسن رضي الله عنهم في أطوار الفتنة الكُبرى. فهلا كان الدّرس قاسيا لنُعيد التأمل والأمل مرة أخرى، وهلا استطعنا أن نرى في نَزقنا ضُعفنا لنرسم الصحيح ونتقاسم الحُب والخير قبل أن يداهِمنا الصَّمتُ المُوجعُ؟!!!

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .