اعلان
اعلان
مجتمع

السلطة في الواجهة و”المرشح” في الظل.. عندما يغيب الحساب وتحضر الاحتجاجات

اعلان
اعلان

بقلم عبدالمالك أهلال

تتكرر المشاهد في إقليمنا، كما في أقاليم أخرى على امتداد الجهة، وتكاد تكون نسخة طبق الأصل: حشود من المواطنين، نساء ورجالا، شبابا وشيوخا، يخرجون في مسيرات سلمية، حناجرهم تصدح بمطالب بسيطة. يطالبون بالماء الصالح للشرب، بطريق معبدة تنهي عزلتهم، بمستوصف يحفظ كرامتهم الصحية، بمدرسة تضمن لأبنائهم مستقبلا، وبتغطية شبكة هاتف تربطهم بعالم اليوم.

اعلان

للوهلة الأولى، تبدو هذه المطالب وكأنها أمنيات، لكنها في جوهرها ليست كذلك. إنها الحقوق الأساسية التي تشكل عماد المواطنة والحد الأدنى للعيش الكريم. ومن العيب والعار أن تكون هذه هي مطالبنا في زمن “التيجيفي” والتحول الرقمي، فهذا التناقض الصارخ يكشف عن هوة سحيقة بين واقعين أو كما وصفها جلالة الملك بمغرب السرعتين.

دعونا نطرح هذا السؤال، من المسؤول؟ إذا أردنا أن نضع الأمور في نصابها، فإن بوصلة المسؤولية يجب أن تتجه بوضوح ودون مواربة إلى المجالس المنتخبة. هؤلاء هم من منحهم المواطنون أصواتهم وثقتهم لتدبير شؤونهم المحلية، ولتوفير ما يعرف بـ”خدمات القرب”. إن فلسفة اللامركزية والجهوية المتقدمة لم توجد لتكون مجرد هياكل إدارية، بل وجدت لتقريب الحلول من المواطنين، ولتكون هذه المجالس هي المحرك الفعلي للتنمية المحلية.

إن فشل مجلس جماعي أو إقليمي أو جهوي في توفير الماء والطريق والمستشفى، فهو لا يخفق في مهمة عابرة، بل يخون العقد الاجتماعي الذي يربطه بالناخبين.

اعلان

فلماذا دائما السلطة في الواجهة.. والمنتخب في الظل؟ سؤال يطرح نفسه بإلحاح، إذ يظهر لكل ذي رأي أن تبعات هذا الفشل لا يتحملها المنتخبون بشكل مباشر، بل تقع دائما على عاتق السلطات المحلية والأجهزة الأمنية.

فهذه الأجهزة تجد نفسها في الواجهة، مضطرة للتعامل مع غضب مشروع واحتجاجات مبررة، وتطبيق الإجراءات المعمول بها لتأطير هذه المسيرات وضمان عدم خروجها عن طابعها السلمي. إنها مهمة صعبة تستنزف طاقات وموارد هذه الأجهزة التي، وفقا للقانون، لا ناقة لها ولا جمل في توفير هذه الخدمات. إنهم يتعاملون مع أعراض المرض، لا مع مسبباته. يصبح رجل السلطة والأمن في مواجهة المواطن، بينما يجلس المتسبب الحقيقي في هذا الاحتقان، وهو المنتخب المتقاعس، في الظل، بعيدا عن ضغط الشارع.

نعلم أن مسؤولية السلطة تكمن في الرقابة لا التنفيذ ولكن، هل هذا يعفي السلطات من كل مسؤولية؟ بالطبع لا. إن اللوم الذي يمكن أن يوجه للسلطات، يتمثل في واجبها برفع تقارير دقيقة وموضوعية عن أداء هؤلاء المنتخبين إلى الجهات المعنية، وتفعيل آليات المراقبة الإدارية والمالية، والدفع بالملفات التي تفوح منها رائحة الفساد وهدر المال العام إلى القضاء.

إن عدم تفعيل دور السلطات في مراقبة عمل المنتخبين واختلالاتهم هو ما يحولها من جهاز رقابي إلى شريك سلبي في تكريس الفشل.

وختاما أقول: إن المسيرات التي نشهدها ليست مجرد صرخة ألم، بل هي مؤشر حي على فشل حلقة أساسية في منظومتنا الديمقراطية والتنموية. الحل لا يكمن في احتواء الاحتجاجات أمنيا، بل في معالجة أسبابها الجذرية.

كما يجب أن تتجه بوصلة المحاسبة نحو من يحملون الأمانة الانتخابية، وعلى السلطات أن تمارس دورها الرقابي بكل حزم وصرامة. أما المواطن، فعليه أن يدرك أن صوته في صندوق الاقتراع ليس مجرد ورقة، بل هو عقد مساءلة ومحاسبة يجب أن يظل ساريا طيلة الولاية الانتخابية، لا أن يستيقظ فقط عندما يبلغ العطش الحناجر وتنقطع السبل.

اعلان
اعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى