الشباب بين جحيم البطالة المعممة وعبودية التشغيل بالتعاقد.

بقلم الاستاذة : لطيفة زهرة المخلوفي

255

شكل مخطط التشغيل بالعقدة أحد تجليات افلاس السياسات المتبعة في تدبير حقل حيوي مثل التعليم. حيث قررت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني توظيف 11000 إطار بموجب عقود محددة المدة بقطاع التعليم تنفيذا للمذكرة الوزارية رقم 16-866 بتاريخ 7 نونبر 2016 في شأن التوظيف بموجب عقد يتم إبرامه مع الأكاديميات الجهوية كطرف مشغل . وقد عللت الجهات الوصية هذه الخيارات الليبرالية بحاجة المدارس العمومية للأطر التربوية ومواجهة معضلة الاكتظاظ وكذا تخفيف وطأة البطالة التي تعصف بخريجي الجامعات من خلال تحقيق استقرار لهم. كل هذه المبررات تروم غض الطرف عن الطابع التراجعي والهجومي الذي يستهدف حق التعليم ويفكك الوظيفة العمومية.
إن الخلفية الحقيقية لمخطط التعاقد هي الانضباط الصريح لاملاءات المؤسسات المالية الكبرى . وقد هيأت له عدة مخططات رامت نفس الغايات : المنشور الثلاثي المتعلق بتشغيل العرضيين في منتصف التسعينيات، قرار تشغيل أساتذة بالعقدة بتاريخ 3 غشت 2009، وقرار فصل التكوين عن التوظيف موسم 2015 – 2016 والذي قوبل بنضال أساتذة المراكز من داخل التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين . إن هذا السير الدؤوب نحو اضفاء مزيد من الهشاشة، يستجيب بنجابة لتوصيات عالمية بضرورة تخفيض النفقات الاجتماعية وفي مقدمتها قطاع التعليم وتوجيه المال العام لدعم القطاع الخاص كبديل لانسحاب الدولة من أداء دورها.
اعتمدت الدولة المغربية خيار اللامركزية واللاتمركز منذ تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين باعتباره ممهدا لمختلف المخططات التخريبية بما فيها التوظيف بموجب عقود. وقد ركز الميثاق في تفصيل اللامركزية خصوصا في تفويت جزء من اختصاصات الإدارة المركزية للأكاديميات الجهوية من قبيل تدبير الموارد البشرية، والحديث عن الجهة كممول ومدبر للموارد المالية. وقد كان البرنامج الاستعجالي بمنطقه المقاولاتي/تدبيري/تقني والهاجس الإداري المحض حيث استحضر إشارات لخيار مراجعة أشكال التوظيف. والتي ستتم على صعيد الجهة مما يحيل بشكل صريح على التراجعات المفصلية في نظام التوظيف العمومي والقوانين المنظمة له والمعمول بها سالفا.

_ عقود العمل مع الأكاديميات : عبودية القرن 21.

إن قراءة البنود المؤطرة لعقد التشغيل بالكونطرا والذي جاهدت الدولة في زخرفتها بشعارات المماثلة حينا وحينا اخر بتسمية الأساتذة المفروض عليهم التعاقد ( متعاقدين/ أعوان/ أطر أكاديميات / موظفين جهويين..)، كل هذا لا يخفي حقيقة أن الحصيلة هي كارثية، بحيث تم الهجوم على الحق في الاستقرار الوظيفي وتكريس مزيد من الهشاشة في قطاع الشغل، ويظهر بالملموس الحيف بفعل غياب ضمانات حماية حقوق الموظف/ة في تعارض صريح مع وضع الموظف في النظام الأساسي للوظيفة العمومية.
إن علاقة الأستاذ بالأكاديمية كطرف مشغل عنوانها العريض العبودية من حيث صلاحيات فسخ العقد وإنهائه مع الأجير دون تعويض. هذه الهشاشة في الوضع المالي تؤدي الى الحرمان من اجتياز مباريات التعليم العالي، وعدة امتيازات فضلا عن غياب الحق في الحركة الانتقالية الوطنية كاحدى تجليات هذا النمط من التوظيف والذي يروح ضحيته فئات عريضة من الشغيلة تعاني الشتاث الأسري لأنها ببساطة ليست منصبا ماليا ممركزا، بل مجرد أرقام تسلسلية تدخل في خانة الاعتمادات المالية للأكاديميات (مصاريف معداتها التي بامكانها تخفيضها كلما رأت الحاجة لذلك أو عجزت عن تدبير تمويلاتها الخاصة وهو ما يفتح كذلك الباب لتخفيض الأجور ).
إن واقع هذا النمط من التشغيل يكرس تمييزا صريحا بين فئات الشغيلة التعليمية حيث فئة يؤطرها القانون الأساسي للوظيفة العمومية وأخرى ترزح تحت نير التعاقد المتعارض بشكل كلي مع القانون الأول.
هذا هو التعبير الصريح عن الإجهاز على مطالب الترقية والتقاعد والإدماج ليصبح أجراء التعليم أشبه بالمياومين أو الأساتذة المؤقتين مما يسمح بالتجديد في طوابير الشباب المعطل. وبالتالي كبح الرفض الجماعي للسياسات اللاشعبية المتبعة. دون أن نغفل استحضار التضييق على العمل النقابي بفعل ما ينص عليه التعاقد بخصوص التجديد التلقائي للتعاقد مع الأجير لاعتبارات المردودية بين الآلاف الأقواس، فضلا عن المصادرة الصريحة لسلاح الشغيلة والتي أطرها القانون التكبيلي للاضراب، والذي جاء كرد على المعركة البطولية التي تخوضها التنسيقية الوطنية للأساتذة اللذين فرض عليهم/ن التعاقد .

_التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد : نضال مستميث ضد أعداء المدرسة العمومية.

ردا على تنزيل نظام التشغيل بالتعاقد جاء نضال التنسيقية حامي الوطيس بما عدده 55 ألف الفوجين الأول والثاني والثالث و 15 ألف فوج الرابع والفوج الخامس 15 ألف أستاذ/ة، والفوج السادس 2021 بمراكز التكوين والمكون من 15000 أستاذ/ة + 2000 أطر الدعم الإداري والتربوي والاجتماعي (سنتطرق في مقالات قادمة لتعميم الدولة لهذا النمط الهش ليشمل مهام أخرى فضلا عن التدريس) . وبهذا يصبح العدد الاجمالي للمفروض عليهم/ن التعاقد 102.000 .
استلهمت التنسيقية دروس تجربة الأساتذة المتدربين في التنظيم القاعدي والتسيير الديموقراطي للمعركة باعتبارها تخص مصير مدرسة عمومية. وقد شكل الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية مطلبا أساسيا أطر نضال الشغيلة التعليمية المفروض عليها التعاقد في مختلف الخطوات التي دعت منذ المسيرة الأولى بتاريخ 6 ماي 2018 بالرباط مرورا بمسيرة مراكش 23 يونيو. ومعتصم 29 و 30 غشت بالرباط. ومسيرة 29 أكتوبر بالرباط ثم مسيرة 20 فبراير بالعاصمة الإدارية والتي عرفت البداية الفعلية لمسلسل القمع والتنكيل وتكسير الأضلع، وصولا الى مسيرات قطبي انزكان + الدار البيضاء التي تعتزم التنسيقية تنظيمها يوم 26 يناير 2021 .
في المقابل استمرت الدولة في نهج سياسة الحديد والنار والتي بلغت أوجها مع استشهاد “عبد الله حجيلي” والد أستاذة هدى حجيلي من مديرية اسفي.
ان خيار مواجهة هذا المخطط يفرض على الأساتذة اليوم كما الغد التفكير والتخطيط والتجذر العملي، استلهاما للتجارب النضالية السابقة التي خاضتها الشغيلة التعليمية. مع وجوب دراسة كافة الاحتمالات المتوقعة بسعي الدولة لإقبار الحركة النضالية واحتواء مطالب هذه الفئة، هذا فضلا عن ملحاحية ملف مطلبي متكامل يراعي جميع مناحي الملف بما فيها البعد السياسي.
إن هذه المهام المطروحة على التنسيقية تلزم جميع فئات الشعب، كما تعني كل يتبنى عمومية ومجانية وجودة التعليم كحق مقدس لا سلعة أو بضاعة.
تفرض المعركة اليوم وحدة حقيقية لأجل تحصين عمومية ومجانية التعليم، وهو ما يلزم ببحث اليات تعديل ميزان القوى لمواجهة السياسات اللاجتماعية في مختلف الحقول الحيوية.
إنها مهام تتقاطع بشكل كلي مع وجوب تقوية الفعل النقابي المكافح في مواجهة تبقرط النقابات لتضطلع بدورها كسلاح في يد الشغيلة بدل ارتكانها الى الصمت المتواطىء تحت مسميات الحوار الاجتماعي.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق