الدكتور منير القادري يحاضر حول فضيلة التوكل على الله

أيوب الهداجي

50

تناول الدكتور منير القادري بودشيش، رئيس مؤسسة الملتقى ومدير المركز الأورومتوسطي لدراسة الاسلام اليوم، موضوع “التوكل على الله: أخذ بالأسباب ورضى بالقدر”، خلال مشاركته في النسخة السابعة والثلاثين من فعاليات “ليالي الوصال”، التي تنظمها مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى، بشراكة مع مؤسسة الجمال، وبثث اطوارها عبر المنصات الرقمية لمؤسسة الملتقى مساء السبت 23 يناير الجاري.

بين القادري في بدايتها أن طرق الوصول إلى الله كثيرة، موردا في هذا الصدد المقولة المأثورة “الطرق إلى الحق بعدد أنفاس الخلق”، موضحا انه ينبغي للمؤمن الصادق أن يختار أقربها، الذي يتجسد في أعمال القلوب التي تفضل أعمال الجوارح ومنها التوكل على الله، وأضاف أن التوكل مصباح يضيء حياة المؤمنين ويرزقهم السكينة والسرور، فمن رزق التوكل على الله رزق مفتاح بابه الأعظم، مستشهدا بقوله تعالى ” وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَي اَ۬للَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ” ( سورة الطلاق الآية، 3).

ونبه الى أن التوكل يقتضي الأخذ بالأسباب مع كمال الثقة بالله مسبب الأسباب، مؤكدا أن ما تشهده البشرية اليوم من تسارع للبلاء و البلوى يفرض علينا الحرص على هذه اللطيفة الربانية وتوطينها في القلوب والسلوك، مستدلا بقوله تعالى: ” وَعَلَي اَ۬للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اِ۬لْمُومِنُونَۖ “، (التوبة الآية، 51)، وذكر بالحديث النبوي الشريف “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً “.
وأوضح مدير مؤسسة الملتقى أن التوكل على الله يقتضي الاعتماد عليه والوثوق به تعالى، موردا قول الإمام عبد القادر الجيلاني: “حقيقة التوكل: تفويض الأمور إلى الله عزّ وجل، والتنقي عن ظلمات الاختيار والتدبير، والترقي إلى ساحات شهود الأحكام والتقدير، فيقطع العبد أن لا تبديل للقسمة، فما قسم له لا يفوته، وما لم يقدر له لا يناله، فيسكن قلبه إلى ذلك، ويطمئن إلى وعد مولاه، فيأخذ من مولاه”، كما أورد حقيقة التوكل على لسان إبراهيم الخواص الذي قال: “حقيقة التوكل إسقاط الخوف والرجاء مما سوى الله عزّ وجل”، ودعا الدكتور منير إلى التوقف عن الشكوى للبشر و تفويض الأمر لرب البشر.

وأشار الى أن العبد المتوكل على الله المستعين به والراضي، يعلم أنه ما من محنة تصيب المؤمن إلا وراءها منحة، وما من شِدة تقع بالمؤمن إلا وراءها ﺷَّﺪّﺓٌ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ، لأن الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، وتابع الدكتور القادري: ” إذا أردت أن يكون الله وكيلك في كل حال، فتمسك بالتوكل عليه في كل حال” مستشهدا بقوله تعالى: ” وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ” (الأحزاب،3).

وبخصوص التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب، فقد أكد الدكتور منير أن من كمال التوكل فعل الأسباب، مستدلا بنماذج من القرآن الكريم كقوله تعالى مخاطبا سيدتنا مريم “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا”، داعيا إياها للأخذ بأسباب الرزق ولو بسبب يسير، موردا قوله تعالى: ” فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ “، وما ورد في السنة النبوية فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: “أنَّ رجلًا أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال يا رسولَ اللهِ أُرْسِلُ ناقتي وأتوكَّلُ أم أعقِلُهَا وأتوكَّلُ قال بل اعْقِلْها وتوكل “.
وأبرز مدير مؤسسة الملتقى أن “من جعل عجزه توكلا وظنه ترك الكد بالبدن فهو جاهل وإن ذلك حرام في الشرع، فليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يدعي بعض الجهال، فالتوكل على الله أن يراعى الإنسان الأسباب الظاهرة، مع عدم اعتماد قلبه عليها بل الاعتماد على الله، كما أن الالتفات للأسباب بالكلية شرك”.
وتابع الدكتور منير: ” كن متوكلا على الله قوي الإيمان ومستندا إلى واسع رحمته ورزقه، ولا تكن متواكلا خاملا فتخسر الدنيا والآخرة”، فالتواكل هو عدم الأخذ بالأسباب وعدم السعي إلى الرزق بحجة أن الله هو الرزاق، وهو ما يتنافى مع العقيدة الإسلامية و التربية الإحسانية”.

وبين القادري طريقا آخر لتعلم اليقين، وهو التفكر مستدلا بقوله تعالى “وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ” وقوله ايضا “وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ”، موضحا أن التفكر هو اعمال لعقل المؤمن الذي يربط المخلوقات بالخالق، ويرى عظمة وقدرة الله في الكون كله.

وفي ختام كلمته في هذه الليلة السابعة والثلاثين من ليالي الوصال، أكد القادري أننا اليوم بحاجة لإحياء قواعد التصوف القائم على الفهم الصحيح للمقاصد الشرعية والملتزم بالآداب الإسلامية، مشيرا الى ان الطريقة القادرية البودشيشية تحث مريديها على مكارم الأخلاق، والعلم والعمل والتوكل على الله، وشدد على ان التصوف لم يكن يوما خمولا ولا انعزالا كما يتهمه المغرضون، بل هو ذكر ومجاهدة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق